أُصولٌ محكمةٌ في ضوابط طلب العلم ومناهجهِ (٨-١٣):
أَخي المسلمَ الصَّادق!
٨- اعلم أَنَّ علمَ أُصولِ الفقهِ أَصلُ الفهمِ، وقِوامُ الاستدلالِ، ومفتاحُ الاستنباطِ، وأَنَّهُ لا يصحُّ فقهٌ ولا يستقيمُ قولٌ إلَّا بهِ؛ فمَن تكلَّمَ في الدِّينِ بلا أُصولٍ فقد تجرَّأَ على الشريعةِ، وتعرَّضَ للزَّللِ والضَّلالِ، ولا يُعدُّ فقيهًا على الحقيقةِ، ولا من أَهلِ العلمِ والبصيرَةِ، وإن كثرَ كلامُهُ وحَسُنَ لفظُهُ. وعلمُ الأُصولِ هو الحصنُ المنيعُ للشريعةِ من التَّحريفِ والتَّبديلِ، ومَن أَهملَهُ فقد فتحَ بابَ الهوى على نفسهِ وغيرهِ.
٩- اعلمْ أَنَّ لُزومَ الجادَّةِ أَصلٌ في الطَّلبِ، ومُلازمَةَ المعلِّمِ الثِّقةِ أَمانٌ من الزَّللِ؛ فابدأْ بالمختصَراتِ؛ حِفظًا وفهمًا، ثمَّ بالمتَوسِّطاتِ؛ بحثًا وترسيمًا، ثمَّ بالمطوَّلاتِ تحقيقًا وهضمًا؛ معَ التَّلقِّي عن أَفواهِ العلماءِ درايَةً، ومُلازمَةِ التَّواضُعِ، ومُجانبَةِ التَّصدُّرِ قبلَ التَّأَهُّلِ.
١٠- اعلمْ أَنَّ المفتيَ في النَّوازلِ ليسَ هو مَن يحفظُ النُّصوصَ فحسبُ، ولا مَن يُحسنُ قراءَةَ الواقعِ وحدَهُ؛ بلْ هو مَن يجمعُ بينَ فقهِ الدَّليل وفقهِ التَّنزيلِ. ومنْ ضوابطِ المفتي في النَّوازلِ أَنْ: يفهمَ النُّصوصَ ومقاصِدَها، ويتصوَّرَ الواقعةَ بدقَّةٍ قبلَ الحكمِ عليها، ويستشيرَ أَهلَ الاختصاصِ فيما لا يُحسنُهُ، ويَزِنُ المصالحَ والمفاسِدَ، ويَنظُرَ في مآلاتِ الفتوى وآثارَها؛ فالنازلةُ لا يُجابُ عنها بعجلةٍ أَو ضغطٍ جماهيريٍّ، بلْ بعلمٍ راسخٍ، وبصيرةٍ بالواقعِ، وورَعٍ يمنَعُ التَّسرُّعَ. ومَنْ لم يجمعْ هذهِ الأَوصافَ؛ فالسَّلامةُ له في التَّوقُّفِ؛ فإنَّ التَّوقُّفَ عندَ الاشتباهِ علمٌ، والجُرْأَةَ على الفُتْيا بِلا أَهليَّةٍ خطرٌ عظيمٌ.
١١- اعلم أَنَّ العالمَ الرَّاسخَ عندَ النَّوازِلِ إنَّما يَسيرُ على الكتابِ والسُّنَّةِ وفهمِ السَّلفِ؛ فيجمَعُ بين فقهِ النُّصوصِ وفقهِ الوقائعِ، ويَردُّ الفُروعَ إلى أُصولها، ويوازِنُ بين المصالحِ والمفاسدِ على ميزانِ الشَّرعِ، مع لُزومِ القطعيَّاتِ وعدمِ الخروجِ عنها؛ فلا يُغيِّرُ حكمًا شرعيًّا لمصلحةٍ مُتوهَّمةٍ، ولا يُهمِلُ تحقيقَ المناطِ بحجَّةِ التمسُّكِ بالظاهرِ؛ بل يُنزِّلُ أَحكامَ الشريعةِ على الوقائعِ تنزيلًا يجمعُ بين العلمِ والعدلِ، ويحفظُ الأُصولَ ويُراعي الأَحوالَ.
١٢- اعلم أَنَّ المذاهبَ الفقهيَّةَ الأَربعَ: مدارسُ علميَّةٌ، وأُطُرٌ اجتهاديَّةٌ مُعتبرَةٌ، وأُصولٌ موضوعةٌ لضبطِ الفهمِ والاستِدلالِ، وتنزيلِ الأَحكامِ، وحِفظِ الفِقهِ وفهمِهِ من التَّفلُّتِ والتَّعارُضِ والاضطِرابِ؛ جُمِعَ فيها فقهُ النُّصوصِ معَ قواعدِ التَّرجيحِ وأُصولهِ، وتوارثَها العلماءُ تلقِّيًا وقبولًا وتحقيقًا واستِقراءً. واعتِبارُها ليسَ على جهةِ العِصمَةِ ولا الإلزامِ المطلقِ، بل على جهةِ الاعتِمادِ المنهجيِّ وسُلوكِ مسالكِ الاجتهادِ الفقهيِّ؛ فكانَ الاتِّباعُ فيها اتِّباعَ منهجٍ لا تعصُّبَ أَشخاصٍ، واستِعانةً بالخبرَةِ المتراكمةِ لا إعراضًا عن فهمِ الدَّليلِ؛ فيُنتفعُ بقواعدِها ومسالكِها في الفهمِ والتَّرجيحِ، ويُردُّ منها ما خالفَ الدَّليلَ، معَ نفي التَّعصُّبِ ومنعِ التَّفلُّتِ عن مناهجِ الاجتهادِ، وبقاءِ الميزانِ والمرجعِ الأَعلى: الكتابِ والسُّنَّةِ بفهمِ سلفِ هذِهِ الأُمَّةِ.
١٣- اعلمْ أَنَّ لحومَ العلماءِ مسمومةٌ، وعادةَ اللهِ في هتكِ أَستارِ منتقصيهم معلومةٌ؛ فمَن أَطلقَ لسانهُ في العلماءِ بالثَّلْبِ، ابتلاهُ اللهُ قبلَ موتهِ بموتِ القلبِ!
إذ إنَّ الأَصلَ في العلماءِ العدالةُ، وخطأَهم عارضٌ لا يُبطلُ فضلَهم؛ فلا يُتكلَّمُ فيهم بجهلٍ أَو هوى، ولا يُرَدُّ خطؤُهم إلَّا بعلمٍ وعدلٍ وأَدبٍ، بعيدًا عن التَّشهيرِ والانتقاصِ.. ومَن جعلَ زلَّاتِ العلماءِ سُلَّمًا لإسقاطهم؛ فقدْ ظلمَ نفسَهُ قبلَ أَنْ يظلمَهم.
فاجعلْ لسانَكَ تحتَ حراسةِ التَّقوى، لا سيفًا مُسلَّطًا على عبادِ الله؛ فالموفَّقُ مَن شغلتْهُ عيوبُهُ عن تتبُّعِ عيوبِ غيرِهِ، ومَن عظَّم أَهلَ العلمِ وأَحسنَ الظنَّ بهم كانَ ذلكَ سببًا في حفظِ دينهِ، وأَمنِ عقلهِ من الزَّللِ.
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

