»المُدَاهَنَةُ« حينَ تُباعُ الأَمانَةُ باسمِ الحكمَةِ:
أَخي المسلمَ اللَّبيب!
اعلمْ - رحمكَ اللهُ - أَنَّ من أَخطرِ الآفاتِ التي تُصيبُ الجماعاتِ والمؤسَّساتِ العلميَّةَ والدَّعويَّةَ: «آفةَ المداهنَةِ»؛ لأَنَّها لا تأْتي غالبًا في صورَةِ انحرافٍ صريحٍ يَنفِرُ منهُ النَّاسُ، بل تدخلُ من أَبوابٍ مُزخرفَةٍ: بابِ الحكمةِ، والمصلحَةِ، وحفظِ الصَّفِّ، ومراعاةِ المقاماتِ، وتجنُّبِ الفتنِ، وعدمِ التَّشويشِ على العملِ.
وهي في حقيقتِها: تركُ البيانِ الواجبِ، أَو السُّكوتُ عن الباطلِ الظاهرِ، أَو تزيينُ الخطأِ لصاحبِهِ، أَو مجاملَةُ المتنفِّذِ على حسابِ الحقِّ؛ طلبًا للسَّلامَةِ، أَو حفظًا للمكانَةِ، أَو طمعًا في القربِ، أَو خوفًا من السُّقوطِ من عينِ النَّاسِ.
وليسَتِ «المداهنَةُ» من «الحكمةِ» في شيءٍ؛ فالحكمةُ ميزانُ البيانِ، والمداهنَةُ خيانَةُ البيانِ.
- فـ «الحكمةَ» أَن تضعَ الحقَّ في موضعِهِ، بالعلمِ والعدلِ والرَّحمةِ وحُسنِ التَّقديرِ.
- أَمَّا «المداهنَةُ» فهي أَن تُخرِجَ الحقَّ من موضعِهِ، أَو تُسكتَهُ حينَ يجبُ نطقُهُ، أَو تُلبِسَ الباطلَ ثوبَ المصلحَةِ؛ خوفًا من النَّاسِ أَو طمعًا فيما عندَهم.
وقدْ فرَّقَ أَهلُ العلمِ بين «المداراةِ» و«المداهنَةِ»:
- فالمداراةُ؛ خُلُقٌ شرعيٌّ، وهي لينٌ في الأُسلوبِ مع ثباتٍ على الحقِّ، واستعمالُ الحكمةِ في إيصالِ النَّصيحَةِ، ودفعُ الشَّرِّ، وجمعُ القلوبِ على الخيرِ.
- وأَمَّا «المداهنةُ»؛ فهي لينٌ في الدِّينِ نفسِهِ، وتنازلٌ عن الحقِّ، وسكوتٌ عن الباطلِ، وإرضاءٌ للخلقِ بما يُسخطُ الخالقَ.
ومن أَعظمِ أَسبابِ «المداهنَةِ»: ضعفُ الإخلاصِ، وحبُّ الجاهِ والرئاسَةِ، والخوفُ من فواتِ المنصبِ، والتعلُّقُ برضا الأَشخاصِ، وضعفُ اليقينِ برزقِ اللهِ ونصرِهِ، وفسادُ البطانَةِ، وكثرةُ المتزلِّفينَ، وتحويلُ المؤَسَّسَةِ من محرابٍ للحقِّ إلى شبكَةِ مصالحَ وولاءاتٍ.
وقدْ تبدأُ «المداهنَةُ» صغيرةً؛ بسكوتٍ عن خطأٍ واضحٍ، أَو تبريرٍ لموقفٍ فاسدٍ، أَو تقديمِ شخصٍ ضعيفٍ لأَنَّهُ مطيعٌ، أَو إقصاءِ كفءٍ لأَنَّهُ مستقلُّ الرأْي، أَو منعِ النَّصيحَةِ بحجَّةِ حفظِ الهيبَةِ.. ثمَّ تكبرُ حتَّى تصيرَ منهجًا غيرَ معلنٍ: يُكافَأُ فيهِ المادحُ، ويُعاقَبُ النَّاصِحُ، ويُقرَّبُ التَّابِعُ الضَّعيفُ، ويُقصى صاحبُ الحقِّ القويُّ.
وفي واقعِ الجماعاتِ والمؤَسَّساتِ تظهرُ «المداهنَةُ» في صورٍ كثيرةٍ؛ منها:
أَن يرى المسؤَولُ خللًا في القيادَةِ فلا ينصحُ، أَو يرى ظلمًا في التعيينِ والإقصاءِ فيسكتُ، أَو يعلمَ أَنَّ المؤَسَّسةَ تُدارُ بالولاءِ لا بالكفاءَةِ فيُجمِّلُ الواقعَ، أَو يشاهدَ تحوُّلَ العلمِ إلى وجاهَةٍ وظيفيَّةٍ فيُبرِّرُ باسمِ المصلحَةِ، أَو يرى الشَّبابَ والكفاءاتِ تُحاصَرُ فلا يقولُ كلمَةَ عدْلٍ.
ومن صورِها أَيضًا: أَن يُرفَعَ شعارُ «وحدَةُ الصَّفِّ» لإسكاتِ النَّصيحَةِ، وشعارُ «حفظُ مكانَةِ العلماءِ» لمنعِ التَّقويمِ، وشعارُ «عدمُ إثارَةِ الفتنِ» لدفنِ الأَخطاءِ، وشعارُ «الحكمةِ» لتبريرِ الجبنِ، وشعارُ «الأَدبِ» لإلغاءِ الحقِّ.
وهذِهِ من أَخطرِ الحيلِ؛ لأَنَّها تستعملُ أَلفاظًا شرعيَّةً في غيرِ موضعِها؛ فتجعلُ الحقَّ متَّهَمًا، والنَّصيحَةَ خروجًا، والبيانَ تشويشًا، والسُّكوتَ حكمةً، والمداهنَةَ سياسةً.
ونتائِجُ «المداهنَةِ» وخيمَةٌ:
فإنَّها تُميتُ النَّصيحَةَ، وتُضعفُ هيبَةَ الحقِّ، وتُفسدُ القلوبَ، وتفتحُ البابَ للتزلُّفِ، وتُقصي أَهلَ الكفاءَةِ، وتُقدِّمُ أَهلَ الطاعَةِ العمياءِ، وتُحوِّلُ المؤَسَّسَةَ إلى صورَةٍ بِلا روحٍ، واسمٍ بِلا أَثرٍ، وجدرانٍ بِلا رسالَةٍ.
وإذا سادتِ «المداهنَةُ» في مؤَسَّسَةٍ علميَّةٍ أَو دعويَّةٍ؛ صار الميزانُ مختلًّا:
لا يُسأَلُ الرَّجلُ عن علمِهِ وديانتِهِ وكفاءتِهِ؛ بل عن قربِهِ وولائِهِ وسكوتِهِ.
ولا تُقاسُ المواقفُ بميزانِ الدَّليلِ والعَدْلِ؛ بل بميزانِ رضا القيادَةِ، وحساباتِ المكانَةِ، وحمايَةِ الصُّورَةِ العامَّةِ.
وهنا تتحوَّلُ المؤَسَّسَةُ من خادمَةٍ للحقِّ إلى حارسَةٍ للأَشخاصِ، ومن منارَةِ بيانٍ إلى جهازِ تبريرٍ، ومن مدرسَةٍ تصنعُ الرِّجالَ إلى دائرَةٍ تُنتجُ الأَتباعَ الضُّعفاءَ.
والأَخطرُ من ذلكَ أَنَّ «المداهنَةَ» تُربِّي جيلًا يخافُ من النَّصيحَةِ، ويُحسنُ الصَّمتَ أَكثرَ من البيانِ، ويتقنُ المجاملَةَ أَكثرَ من الصَّدعِ بالحقِّ، ويظنُّ أَنَّ الأَدبَ مع الأَكابرِ معناهُ دفنُ الأَخطاءِ، وأَنَّ وحدَةَ الصَّفِّ معناها إلغاءُ العقولِ، وأَنَّ المحافظَةَ على المؤَسَّسَةِ معناها حمايَةُ المتنفِّذينَ فيها ولو ضعفَتِ الأَمانَةُ.
وهذِهِ ليسَتْ قيادَةً ربَّانيَّةً، بلْ إدارَةٌ رخوَةٌ؛ تُلبِسُ العجزَ ثوبَ الحكمَةِ، وتُسمِّي الخوفَ تروِّيًا، وتُسمِّي المداهنَةَ سياسَةً، وتُسمِّي تضييعَ الأَمانَةِ حفظًا للمصلحَةِ.
فالقائدُ الربَّانيُّ لا يُداهنُ في الحقِّ، ولا يَقبلُ أَن تُداهِنَه بطانتُهُ؛ بل يفتحُ بابَ النَّصيحَةِ، ويُحبُّ من يُبصِّرُهُ بعيبِهِ، ويُقيمُ الميزانَ على نفسِهِ قبلَ غيرِهِ، ويعلمُ أَنَّ المنزلَةَ أَمانَةٌ لا زينَةٌ، وأَنَّ الأَتباعَ حجَّةٌ عليهِ لا قوَّةٌ لهُ، وأَنَّ المؤَسَّسَةَ ليسَتْ ملكًا شخصيًّا؛ بل وقفٌ على خدمَةِ العلمِ والدِّينِ والأُمَّةِ.
وليسَ العلاجُ في التَّهوُّرِ، ولا في التَّشهيرِ، ولا في إسقاطِ المقاماتِ، ولا في تتبُّعِ العثراتِ؛ بل العلاجُ في النَّصيحَةِ المنضبطَةِ، والمحاسبَةِ العادلَةِ، وفتحِ أَبوابِ الشُّورى، وتقديمِ الكفاءاتِ، وكسرِ شبكاتِ التَّزلُّفِ، وإحياءِ هيبَةِ الحقِّ فوقَ هيبَةِ الأَشخاصِ.
- فمَن أَرادَ السَّلامَةَ الحقيقيَّةَ؛ فليعلمْ أَنَّ السَّلامَةَ ليسَتْ في السُّكوتِ عن الباطلِ، ولكن في أَداءِ الأَمانَةِ بحكمةٍ وعدلٍ.
- ومَن أَرادَ وحدَةَ الصَّفِّ؛ فليعلمْ أَنَّ الصَّفَّ لا يجتمعُ على المداهنَةِ طويلًا، وإنَّما يجتمعُ على الحقِّ والعَدْلِ والنَّصيحَةِ.
- ومَن أَرادَ حفظَ المؤَسَّسَةِ؛ فليعلمْ أَنَّ المؤسَّساتِ لا تُحفَظُ بتلميعِ الأَشخاصِ، بل بتصحيحِ المسارِ، وحمايَةِ الرِّسالَةِ، وتقديمِ الأَمانَةِ على المجاملَةِ.
وخلاصَةُ الأَمرِ: «المداهنَةُ خيانَةٌ ناعمَةٌ»؛ لا تهدمُ الجدرانَ دفعَةً واحدَةً، ولكنَّها تُفرغُها من معناها؛ حتَّى تبقى المؤَسَّسَةُ قائمَةً في الصُّورَةِ، ساقطَةً في الحقيقَةِ.
فاللَّهُمَّ! ارزقْ أَهلَ العلمِ والدَّعوةِ صدقَ البيانِ، وحكمةَ النَّصيحَةِ، وشجاعَةَ الحقِّ، وسلامَةَ القصدِ، وجنِّبْهم مداهنَةَ الأَقوياءِ، وتزلُّفَ الضُّعفاءِ، واجعلْ مؤَسَّساتِهم مناراتِ هدايَةٍ وعدْلٍ، لا ساحاتِ مجاملَةٍ وهوى.
عبدالله بن عبدالحميد الأثري

