وظيفةُ العلماءِ بينَ أَمانَةِ البيانِ وثِقَلِ الحسابِ:
أَخي المسلمَ اللَّبيب!
اعلمْ - رحمكَ اللهُ - أَنَّ العلماءَ ليسوا زينةً للمجالسِ، ولا أَلقابًا تعلَّقُ على الصُّدورِ، ولا أَسماءً تستعملُ عندَ الحاجَةِ لتسكينِ النَّاسِ وتبريرِ الواقعِ؛ وإنَّما هم ورثَةُ الأَنبياءِ، وحملَةُ أَمانَةِ البيانِ، وحرَّاسُ الشَّريعَةِ، وصوتُ الحقِّ إذا اضطربتِ الأَصواتُ، ومصابيحُ الهدايَةِ إذا أَظلمَتِ السُّبلُ.
إنَّ منصبَ العلمِ في الإسلامِ ليسَ تشريفًا مجرَّدًا، بلْ هو تكليفٌ ثقيلٌ ومسؤوليَّةٌ عظيمَةٌ؛ فمَن حملَ العلمَ فقدْ حملَ أَمانَةً لا تقاسُ بموازينِ الدُّنيا، ولا تؤَدَّى بالمجاملاتِ، ولا تصانُ بالسُّكوتِ عن الباطلِ، ولا تحفظُ بمسايرَةِ الجماهيرِ أَو مداهنَةِ أَصحابِ النُّفوذِ.
العالمُ الحقُّ؛ هو الذي يقومُ للهِ شاهدًا بالقسطِ، لا يبيعُ دينَهُ برضا النَّاسِ، ولا يجعلُ علمَهُ جسرًا إلى جاهٍ أَو مالٍ أَو منصبٍ أَو وجاهَةٍ.
العالمُ الحقُّ؛ هو الذي إذا رأَى النَّاسَ في فتنةٍ بيَّنَ، وإذا رأَى الباطلَ ينتفشُ حذَّرَ، وإذا رأَى الحقَّ غريبًا نصرَهُ، وإذا اختلطتِ المفاهيمُ ردَّ الأُمَّةَ إلى كتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسُولِه ﷺ بفهمٍ راسخٍ وعدلٍ ورحمةٍ.
وليسَ من وظيفَةِ العلماءِ أَن يكونوا أَصداءً للسلطانِ، ولا أَبواقًا للعصبيَّاتِ، ولا حرَّاسًا للأَشخاصِ والقبائلِ والجماعاتِ، ولا شهودَ زورٍ على ضياعِ الأُمَّةِ؛ بل وظيفتُهم أَن يكونوا ميزانًا للنَّاسِ لا تابعينَ لأَهوائِهم، وقادةً إلى الحقِّ لا أَسرى للمصالحِ.
فإذا سكتَ العالمُ حيثُ يجبُ البيانُ، وخافَ حيثُ يجبُ الثَّباتُ، وداهنَ حيثُ يجبُ الصَّدعُ بالحقِّ، ولبَّسَ حيثُ يجبُ الإيضاحُ، وأَرضى النَّاسَ بسخطِ اللهِ؛ فإنَّ سكوتَهُ ليسَ حيادًا، بل خيانَةٌ للأَمانَةِ؛ لأَنَّ البيانَ عندَ الحاجَةِ واجبٌ، وكتمانَ العلمِ جريمةٌ في حقِّ الدِّينِ والأُمَّةِ.
إنَّ الأَمَّةَ إذا ضعفَ علماؤُها ضعفتْ بصيرتُها، وإذا تراجعوا تقدَّمَ الجهَّالُ، وإذا صمتوا نطقَ أَهلُ الأَهواءِ، وإذا تخلَّوا عن مواقعِهم تسلَّقَ المتعالمونَ والمنحرفونَ وأَصحابُ المصالحِ. وما ضاعتْ أُممٌ كثيرةٌ إلَّا يومَ صارَ علماؤُها بينَ ساكتٍ خائفٍ، أَو متكلِّمٍ مائعٍ، أَو موظَّفٍ يزنُ الحقَّ بميزانِ الرَّاتبِ والمنصبِ.
** فيا أَهلَ العلمِ!
* اتقوا اللهَ في أُمَّةِ محمَّدٍ ﷺ.
* اتقوا اللهَ في الشَّبابِ الحائرِ.
* اتقوا اللهَ في العامَّةِ الذينَ ينتظرونَ منكم كلمَةً صادقَةً.
* اتقوا اللهَ في المنابرِ التي صارتْ أَمانَةً في أَعناقِكم.
* اتقوا اللهَ في العلمِ الذي حمَّلكم اللهُ إيَّاهُ؛ فإنَّهُ حجَّةٌ لكم أَو عليكم.
لا تجعلوا العلمَ حرفَةً بلا روحٍ، ولا الخطابَةَ عادَةً بِلا أَثرٍ، ولا الفتوى بابًا للمجاملَةِ، ولا الصَّمتَ سترًا للعجزِ.
فإنَّ العالمَ إذا فسدَ، أَو جبنَ، أَو سكتَ عن الحقِّ في موضعِ البيانِ؛ كانَ ضررُهُ أَعظمَ من ضررِ الجاهلِ؛ لأَنَّ النَّاسَ لا يضلُّونَ بالجهَّالِ وحدَهم، بل يضلُّونَ أَيضًا بعالمٍ سكتَ حينَ وجبَ أَنْ يتكلَّمَ، أَو تكلَّمَ حينَ وجبَ أَن يتثبَّتَ، أَو زيَّنَ الباطلَ بثوبِ العلمِ.
إنَّ حسابَ العلماءِ شديدٌ؛ لأَنَّهم عرفوا ما لم يعرفْهُ غيرُهم، وفهموا ما جهلَهُ كثيرٌ من النَّاسِ، وتصدَّروا مقامَ البيانِ، ومَن تصدَّرَ للأُمَّةِ فقد عرَّضَ نفسَهُ لسؤالٍ عظيمٍ بينَ يدي اللهِ تعالى.
وسيُسأَلُ العالمُ: ماذا فعلتَ بعلمِكَ؟
هل بيَّنتَ؛ أَم كتمتَ؟
هل نصرتَ الحقَّ؛ أَم خذلتَه؟
هل رفعتَ الجهلَ؛ أَم صنعتَ حولَك أَتباعًا لا يفقهونَ؟
هل كنتَ ناصحًا للأُمَّةِ؛ أَم حارسًا لمكانتِك؟
هل جعلتَ العلمَ للهِ؛ أَم جعلتَه سلَّمًا للدنيا؟
إنَّ التَّاريخَ لا يرحمُ، والأُمَّةَ لا تنسى، وقبلَ ذلكَ وبعدَهُ فإنَّ اللهَ مطَّلعٌ على السَّرائرِ، يعلمُ مَن نطقَ للهِ، ومَن سكتَ خوفًا على جاهِهِ، ومَن تكلَّمَ طلبًا للحقِّ، ومَن تكلَّمَ طلبًا للظهورِ.
- فطوبى لعالمٍ صدقَ مع اللهِ؛ فكانَ للنَّاسِ إمامَ هدى، ومفتاحَ خيرٍ، ومغلاقَ شرٍّ، لا يخافُ في اللهِ لومةَ لائمٍ، ولا يرضى أَن يكونَ علمُهُ شاهدًا عليهِ يومَ القيامَةِ.
- وويلٌ لعالمٍ عرفَ الحقَّ ثمَّ كتمَهُ، ورأَى الباطلَ ثم سايرَهُ، وسمعَ صرخاتِ الأُمَّةِ ثم آثرَ السَّلامةَ؛ فإنَّ حسابَهُ عندَ اللهِ شديدٌ، وشهادتَهُ أَمامَ التَّاريخِ عسيرةٌ.
وخلاصةُ الكلمَةِ:
العلماءُ أَمانَةُ الأُمَّةِ؛ فإذا قاموا بواجبِهم أَحيَوا القلوبَ، وصانوا الدِّينَ، وحفظوا البصيرَةَ؛ وإذا فرَّطوا خانوا الأَمانَةَ، وفتحوا أَبوابَ الفتنَةِ، وكانَ حسابُهم شديدًا أَمامَ اللهِ، ثم أَمامَ التَّاريخِ.
فاللَّهُمََّ أَصلحْ علماءَ الأُمَّةِ، واجعلْهم ربَّانيينَ صادقينَ؛ لا يخافونَ إلَّا إيَّاكَ، ولا يرجونَ إلَّا رضاكَ، ولا يقولونَ إلَّا الحقَّ، ولا يدلُّونَ النَّاسَ إلَّا على صراطِكَ المستقيمِ.
عبدالله بن عبدالحميد الأثري

