من آفاتِ القياداتِ والعلماءِ: فسادُ الحاشيَةِ وصناعَةُ »الرَّجُلِ الأَوْحَدِ«:

أَخي المسلمَ اللَّبيب!

اعلمْ أَنَّ من أَخطرِ آفاتِ الدَّعواتِ قديمًا وحديثًا: الغُلُوَّ في الرؤُوسِ، وفسادَ الحاشيَةِ التي تُحيطُ بالقياداتِ والعُلماءِ والمشايخ؛ وهي داءٌ قديمٌ يتجدَّد، وبلاءٌ عظيمٌ يتكرَّر. 

وكم من رجلٍ صالحٍ، هيِّنٍ ليِّنٍ، قريبٍ من النَّاسِ، لم تُفسِدْهُ نفسُهُ، ولكن أَفسدتْهُ بطانةٌ أَحاطتْ بهِ؛ من أَبناءٍ، أَو أَصحابٍ، أَو أَهلِ وجاهةٍ ومالٍ، أَو متقدِّمينَ في دعوتِهِ؛ فصاروا - من حيث لا يشعرون - سببَ فتنتِهِ، ومصدرَ الإساءَةِ إليهِ، وبلاءً على الدَّعوةِ من جهتِهِ.

فكم من صالحٍ شوَّهَتْ صورتَهُ حاشيةٌ متعصِّبَةٌ، وكم من شيخٍ نافعٍ ضيَّقَتْ دائرةَ الانتفاعِ بهِ بطانةٌ غاليةٌ، وكم من قائدٍ فيهِ خيرٌ وعدلٌ ووسطيَّةٌ أَفسدَتْ مقامَهُ جماعةٌ تُحسنُ تلميعَهُ أَكثرَ ممَّا تُحسنُ نصيحتَهُ.

وهذِهِ الآفةُ ليسَتْ حادثةً عابرةً، بل هي مرضٌ من أَمراضِ التَّاريخِ، وآفةٌ من آفاتِ العصرِ؛ إذ كثيرًا ما تهلك الدَّعواتُ لا من ضعفِ أُصولها، ولكن من فسادِ التَّصرُّفِ حولَ رموزها؛ حين تتحوَّلُ المحبَّةُ إلى غُلُوٍّ، والتَّوقيرُ إلى تقديسٍ، والنُّصرةُ إلى تعصُّبٍ، والخدمةُ إلى احتكارٍ.

* ومن صُورِ هذِهِ الآفَةِ:

١- أَن يُبرَز الشيخُ أَو القائدُ على أَنَّهُ الأَوحدُ الذي لا نظيرَ لَهُ، وأَن تُصاغَ حولهُ صورةٌ تتجاوزُ قدرَهُ الحقيقيَّ؛ فيُمنَعُ غيرُهُ من البروزِ، ويُحاصَرُ أَهلُ الكفاءَةِ خشيةَ أَن يُزاحموهُ في القبولِ، ويُتعامَلُ مع كلِّ نافعٍ جديدٍ على أَنَّهُ تهديدٌ لا إضافةٌ، ثم لا يلبثُ الأَمرُ أَن يتحوَّلَ إلى عصبيةٍ للأَشخاصٍ بدلَ أَن يكونَ اجتماعًا على الحقِّ.

٢- أَن يُحاطَ الرجلُ بهالةٍ من القداسةِ المعنويةِ؛ فلا يُنتقَد، ولا يُراجع، ولا يُنصح، بل قد يُجعلُ الاعتراضُ على بعضِ اجتهاداتِهِ اعتراضًا على الدعوةِ نفسِها، ويُجعَلُ حبُّهُ معيارًا للولاءِ، ومخالفةُ بعضِ من حولهِ علامةً على قلِّةِ الأَدبِ أَو فسادِ القصدِ! وهذا من أَعظمِ الظُّلمِ؛ للرجلِ نفسِهِ، وللدَّعوةِ، وللنَّاسِ.

٣- أَن يستوليَ المحيطون بهِ على بواباتِ الوصولِ إليهِ؛ فلا يُسمَعُ إلَّا ما أَرادوا، ولا يُرى إلَّا ما نقلوا، ولا يصلُ إليهِ الناصحونَ الصَّادقونَ، بينما يتكاثرُ حولهُ المادحونَ، ويضيقُ مجلسُهُ بأَهلِ التثبيتِ والصِّدقِ، ويتسعُ لأَهلِ التهويلِ والتصفيقِ.. فإذا طالَ بهِ الزمنُ في هذِهِ البيئَةِ ضَعُفَتْ عندَهُ موازينُ كثيرة، لا لأَنَّهُ أَرادَ الباطلَ، ولكن لأَنَّ الباطلَ قُدِّمَ لهُ في ثوبِ النصرةِ والمحبَّةِ.

* وهذا يضُرُّ من جهاتٍ كثيرةٍ:

١- يضرُّ الشَّخصَ؛ لأَنَّهُ قد يفسد قلبَهُ خفيًّا بالمدحِ المتكررِ، أَو يُحرَمَ من سماعِ ما يصلحه، أَو يُبتلى بالعُجبِ من حيث لا يشعر، أَو يُحجَبَ عن معرفةِ مواقعِ الخللِ في مشروعِهِ ودائرتِهِ.

٢- يضرُّ الدَّعوةَ؛ لأَنَّ الدَّعوةَ إذا بُنِيَتْ على الأَشخاصِ لا على الأُصولِ، وعلى الهيبَةِ المصنوعَةِ لا على الحقِّ والعدْلِ؛ ضعُفتْ عندَ أَوَّلِ ابتلاءٍ، وتحوَّلَ أَتباعُها إلى حُرَّاسِ صورَةٍ لا خُدَّامِ رسالَةٍ، وصارَ همُّهُمْ حمايةَ الاسمِ لا حمايةَ المنهجِ.

٣- يضرُّ النَّاسَ؛ لأَنَّهُ يفتحُ بابَ الظُّلمِ للكفاءاتِ، ويكسرُ أَهلَ الخيرِ، ويزرعُ الإحباطَ في المخلصينَ، ويجعلُ السَّاحةَ حكرًا على لونٍ واحدٍ وطائفةٍ واحدةٍ وطريقةٍ واحدةٍ، وكأَنَّ اللهَ لم يجعلِ الخيرَ موزعًا في عبادِهِ، ولم يفتحَ أَبوابَ النَّفعِ إلَّا على يدِ رجلٍ واحدٍ.* والواجبُ في هذا البابِ:أَن يُعلَمَ أَنَّ العالِمَ، أَو الشيخَ، أَو القائدَ، مهما علا قدرُهُ؛ فهو بشرٌ يُصيبُ ويُخطئُ، ويحتاجُ إلى النُّصحِ كما يحتاجُ غيرُهُ؛ وأَنَّ من أَعظمِ الوفاءِ لهُ أَلا يُغالى فيهِ، ولا يُرفَعَ فوقَ منزلتِهِ، ولا تُصنعَ لهُ قداسةٌ تُفسدُهُ وتُفسدُ النَّاسَ بهِ.

* ومن تمامِ النَّصيحَةِ للقياداتِ والعلماءِ:أَن يُترَكَ بابُ البروزِ مفتوحًا لأَهلِ الكفاءَةِ، وأَلا تُحارَبَ الطاقاتُ الصَّاعدَةُ خوفًا على مكانَةِ الكبيرِ؛ فإنَّ الكبيرَ حقًّا لا يضيقُ بظهورِ المخلصينَ؛ بل يفرحُ بهم، ويقوى المشروعُ بانتشارِ أَمثالهم.

* ومن تمامِ النَّصيحةِ لهم أَيضًا:أَن يُصانوا من بطانَةِ الغلوِّ كما يُصانوا من بطانَةِ الفسادِ؛ فليسَ كلُّ مَن مدحَ ناصحًا، ولا كلُّ مَن بالغَ في الحمايةِ صادقًا؛ بل قد يكونُ أَخطرُ النَّاسِ على الرجلِ مَن يرفعُهُ فوقَ قدرِهِ، ويمنعُ عنهُ صوتَ الحقِّ، ويُشعِرُهُ أَنَّهُ محورُ الدَّعوةِ، وأَنَّ الخيرَ لا يُنالُ إلَّا من بابِهِ.

الخلاصَةُ: ليسَ البلاءُ دائمًا في القائدِ أَو العالِمِ نفسِهِ؛ بلْ قدْ يكونُ البلاءُ في الحاشيَةِ التي تصنَعُ لهُ صورَةً أَكبرَ من حقيقتِهِ، ثمَّ تُفسدُهُ بها، وتُفسدُ النَّاسَ عليهِ.

فالغلوُّ في القياداتِ، وصناعةُ الأَوحديَّةِ، واحتكارُ الفضْلِ، ومحاربَةُ البارزينَ، وصناعَةُ الهالَةِ والقداسَةِ، كلُّها من أَمراضِ الدَّعواتِ قديمًا وحديثًا، وهي ممَّا يقتلُ الإخلاصَ، ويشوِّهُ العدْلَ، ويقطَعُ طريقَ النَّفعِ.فمَنْ أَحبَّ شيخًا، أَو قائدًا، أَو عالمًا؛ فليُحسنِ النَّصيحةَ لهُ، لا صناعَةَ الصَّنمِ من حولِهِ، وليحفظْ لهُ قدرَهُ، دونَ أَن يرفعَهُ فوقَ قدرِ البشرِ؛ فإنَّ أَعظمَ ما يُحفظُ بهِ الرِّجالُ: الصِّدْقُ معهُم، وكفُّ الغُلُوِّ عنهم، وفتحُ أَبوابِ الخيرِ لغيرِهِم، وردُّ النَّاسِ جميعًا إلى الحقِّ لا إلى الأَشخاصِ.

اللَّهُمَّ! إِنَّا نعوذُ بكَ من بطانَةٍ تُزَيِّنُ الباطِلَ باسمِ المحبَّةِ، ونسأَلُكَ أَن ترزُقَ قادتَنا وعُلماءَنا صِدْقَ النَّاصحينَ وعَدْلَ المستَبصِرينَ.

عبدالله بن عبدالحميد الأثري

Previous
Previous

وظيفةُ العلماءِ بينَ أَمانَةِ البيانِ وثِقَلِ الحسابِ:

Next
Next

القوميَّةُ.. حينَ يُهذِّبها الإسلامُ..