»مَقامُ اليَقينِ في وَجْهِ الماكِرينَ«:

أَخي المسلمَ الصَّادقَ!

اعلمْ - رحمكَ اللهُ - أَنَّهُ ليسَ كلُّ تدبيرٍ يُنسَجُ في الخفاءِ يُثمِر، ولا كلُّ مكرٍ يُدبَّرُ في الظلامِ يُصيب؛ فإنَّ فوقَ كيدِ الماكرينَ ربًّا عظيمًا، لا تَخفى عليه خافية؛ يُبطِلُ مكرَهم، ويردُّ كيدَهم في نحورِهم، ويجعلُ تدبيرَهم وبالًا عليهم.

فاطمئنَّ - يا صاحبَ القلبِ المعلَّقِ بالله! - فمَن أَرادَ بنا سوءًا؛ فاللهُ تعالى كافينا، ومَن نصبَ لنا حبالَهُ في الخفاءِ؛ فربُّنا يتولَّانا بلطفِهِ وحفظِهِ، ومَن دبَّرَ لنا مكرًا؛ فاللهُ يدبِّرُ لنا فَرَجًا، ومَن أَوقدَ نارَ الكيدِ؛ أَطفأَها اللهُ بنورِ عنايتِهِ.قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: 43].

فما دامَ اللهُ مولانا؛ فلا خوفَ من مكرِ عبدٍ ضعيفٍ، مهما عَظُمَ سلاحُهُ واشتدَّ كيدُهُ، ولا اضطرابَ من تدبيرِ قلبٍ مريضٍ نَكَسَ الفطرةَ وخالفَ أَمرَ خالِقِه؛ فإنَّ المكرَ السيِّئَ لا يَحيقُ إلَّا بأَهلِه، وإنَّ العبدَ إذا صدقَ في توكُّلِهِ، وفوَّضَ أَمرَهُ إلى ربِّهِ - جلَّ في عُلاهُ - كفاهُ اللهُ ما أَهمَّهُ، ودفعَ عنهُ ما لا يطيقُ دفعَهُ.قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3].

واعلمْ - أَيُّها اللَّبيبُ! - أَنَّ هذِهِ المعاني إذا تحوَّلتْ في قلبِ العبدِ إلى يقينٍ راسخ؛ صارتْ »بَلْسَمَ اليقين« الذي تَسكنُ إليهِ قلوبُ المصلحينَ إذا واجهتْها العواصِفَ، وتأْنسُ بهِ نفوسُ الصَّادقينَ إذا أَحاطَ بها كيدُ الماكرينَ؛ لأَنَّ المؤمنَ لا يقرأُ الأَحداثَ بـ »عينِ الخوفِ« وحدَها؛ بلْ يقرؤُها بـ »عينِ التَّوحيدِ« ويعلمُ أَنَّ كيدَ الخلقِ كلَّهُ لا ينفذُ إلَّا بإذنِ الله، وأَنَّ مَن كانَ اللهُ حسبَهُ فلنْ يَضيع، ومَن كانَ اللهُ مولاهُ فلن يُخذَل.

ومَن أَيقنَ أَنَّ الأَمرَ كلَّهُ للهِ تعالى؛ هانَ عليهِ مكرُ الماكرينَ، وسكنَ قلبُهُ عندَ اضطرابِ النَّاسِ، وثبتَ قدمُهُ حينَ تشتدُّ الفتن؛ فإنَّ ربًّا أَبطلَ مكرَ الأَوَّلينَ.. قادرٌ على أَن يُبطِلَ مكرَ الآخرينَ، ولكنَّهُ يبتلي عبادَهُ ليُظهرَ صدقَ توكُّلِهم، وحُسنَ ظنِّهم بهِ، وثباتَ قلوبِهم على بابِهِ.

اللَّهُمّ!َ اكفِنا شرَّ الماكرينَ، واردُدْ كيدَهم في نحورِهم، واجعلْ تدبيرَهم تدميرًا عليهم، وثبِّتْ قلوبَنا على حُسنِ التَّوكُّلِ عليكَ، يا قويُّ يا عزيز.. آمين!

عبدالله بن عبدالحميد الأثري

Previous
Previous

مزلَقُ الإسقاطِ الآليِّ للأَحكامِ:

Next
Next

وظيفةُ العلماءِ بينَ أَمانَةِ البيانِ وثِقَلِ الحسابِ: