بينَ الاستِضعافِ والواجبِ الشَّرعيِّ: رُؤْيَةٌ منهجيَّةٌ في فقهِ الصُّمودِ:
أَخي المرابطَ بـيقينِهِ في ميادينِ الحقِّ!
اعلمْ أَنَّ الاستضعافَ سُنَّةٌ ماضيةٌ في تاريخِ الدعوات، وقَدَرٌ لا يَنفكُّ عنهُ أَهلُ الحقِّ في بداياتهم؛ قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ﴾.
غيرَ أَنَّ الخطأَ المنهجيَّ الفادحَ يقعُ حين يُتَّخذُ الاستضعافُ ذريعةً لتركِ الواجبات، أَو مبرِّرًا للقعودِ عن الإصلاح؛ فالشريعةُ لم تُعلِّقِ التكاليفَ على «التمكين» بل أَوجبتِ العملَ بحسب الاستطاعَةِ.
إنَّ الاستضعافَ في ميزانِ الوحي ليس مبرِّرًا لـ «القعودِ والاعتزال» بل هو مَحضنٌ لـ «الإعدادِ والثبات»؛ فاللهُ الذي ذكرَ الاستضعافَ لم يذكرْهُ ليُشرعنَ الاستكانة، بل ليبشِّرَ بالتمكينِ لمن صدق:
أَولًا- حقيقةُ الاستضعاف (مقامُ الاختبار لا محلُّ السقوط):
الاستضعافُ قدرٌ كونيٌّ قد يمرُّ به المؤمنون، كما مرَّ بالرُّسل من قبل؛ غير أَنَّ المنهجَ العلميَّ يفرِّقُ بين استضعافِ القُدرة واستضعافِ الإرادة: فالأَولُ عذرٌ تُراعى فيه الرُّخص، والثاني ضعفٌ يُفسد المنهج.
فالواجبُ في حال الاستضعاف: استنفادُ المقدور لدفع المحذور؛ قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. فالاستضعافُ لا يعني سقوطَ التكليف؛ بل تحويلَ ميدان العمل إلى الممكن، مع بقاء أَصل العبودية قائمًا.
ثانيًا- فقهُ الأَولويات (من الفرد إلى الأُمَّة):
في أَزمنةِ الاستضعاف، تتقدَّم الواجباتُ الحافظةُ للدِّينِ، فيُقدَّم:تحقيقُ الإيمان وتزكيةُ النفوس، وتصحيحُ المفاهيم بالعلم الشرعي، والإصلاحُ بحسب الاستطاعَةِ؛ فالاستضعافُ يفرض فقهَ الترتيب؛ فحفظُ الأُصول مقدَّم على الاشتغالِ بالجزئيات.
ثالثًا- مسؤوليةُ الاستخلاف بعد البلاء:
الاستضعافُ ليس نهاية الطريق، بل هو مرحلة إعداد؛ ومن فقهه: أَن يعمل المؤمنُ في زمن المحنة بعقلية البناء، لا بعقلية الانتظار؛ فالتمكينُ ثمرةٌ لا شرطٌ؛ ولهذا كان النبي ﷺ في مكة يُربِّي ويُصلح، وهو في حال استضعاف.
رابعًا- ضابطُ النُّصرة والموالاة:
من أَوجبِ الواجبات: تلاحمُ الصَّفِّ واجتماعُ الكلمة؛ فالنصرةُ تكون بالكلمَةِ، والدُّعاءِ، والمالِ، وبناءِ الوعي؛ وكلها ثغورٌ لا تقلُّ شأنًا عن غيرها.
خامسًا- فقهُ الوعد واليقين:
وعدُ الله بالنصر حقٌّ، لكنَّهُ مربوطٌ بشرطِهِ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ فلا تُطلب النتائج قبل تحقيق المقدِّمات.
الخلاصةُ المنهجية: الاستضعافُ مرحلةٌ، والواجبُ الشرعيُّ ميثاقٌ دائم؛ فلا يشغلنَّك ضيقُ الواقع عن سعةِ التكليف.. الاستضعافُ إعدادٌ لا تعطيل، والواجبُ فيه: العمل لا الانتظار.
اللَّهُمَّ! اجعلْ استضعافَنا مفتاحًا لنصرك، وثبِّت أَقدامَنا على صراطك المستقيم.ونسألُ الله أَن يفقهنا في ديننا، ويجعلنا من العاملين الصادقين، ويهيئ لهذه الأُمَّةَ أَمر رشد.
عبدالله بن عبدالحميد الأثري

