ضابطُ الموقفِ الشَّرعيِّ من الأَنظمةِ والشِّعاراتِ: ميزانُ الحقِّ، لا صخبُ الدِّعايات:
أَخي اللَّبيبَ المستَبصِرَ!
اعلمْ أَنَّ من أَعظمِ أَسبابِ الانحراف في زمنِ الفتنِ: أَن تُستبدل موازينُ الوحي بضجيجِ الشِّعارات، وأَن يُحكم على الجهاتِ لا بأَفعالها؛ بلْ بما ترفعه من رايات..
* وهُنا يقعُ الخلل الكبير!
١- أَصلٌ لا يتبدَّل:
الولاءُ والبراءُ في الإسلام ليس عاطفةً سائبةً، ولا موقفًا سياسيًّا متقلِّبًا؛ بلْ هو حكمٌ شرعيٌّ يُبنى على الحقِّ والعدل، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ… أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾.
فالمعيارُ واضحٌ: مَن ناصر المسلمين؛ فهو على خيرٍ بقدرِ نصرتِهِ، ومَن أَعانَ على ظلمهمِ؛ فلَهُ نصيبٌ من الإثم بقدرِ فعلهِ.
٢- لا تغترَّ بالشِّعارات:
كم من جهةٍ رفعت شعارَ «نصرة الإسلام» وهي في الواقع تُسخِّرُ الدينَ لمصالحها، وكم من صوتٍ تكلَّم باسم الأُمَّةِ وهو في الحقيقة يُزيِّن الباطل ويُلبس الحقَّ بالهوى؛ فالحقُّ لا يُعرفُ بالشِّعاراتِ، بل يُعرفُ بـ «الوقائع الثابتة والأَفعال الظاهرة».
٣- ميزانُ الحكم:
اسأل دائمًا: ماذا فعلوا، لا ماذا قالوا؟ هل جمعوا كلمة المسلمين أَم فرّقوها؟ هل دفعوا الظلم أَم شاركوا فيه؟ فإنَّ الميزان الشرعي لا يُخدع بالدِّعايةِ.
٤- انحرافان خطيران:
قومٌ يُقدِّسون الجهات؛ فيبرِّرون أَخطاءها، ويُحسنون الظنَّ بها مهما فعلت! وقومٌ يُطلقون الأَحكام بلا علم؛ فيعمِّمون ويظلمون! والحقُّ وسطٌ بينهما: عدلٌ لا مجاملة فيهِ، وإنصافٌ لا ضعف فيه.
٥- لا تبيعوا دينكم بالمصالح:
من أَعظم الفتن: أَن يُلبَس الباطلُ ثوبَ «المصلحة» فتُبرَّر الأَخطاء، وتُشرعن الانحرافات، ويُدافع عن الظالم بدعوى «السِّياسة» أَو «المرحلة».. وهذا من تلبيس الحقِّ بالباطل.
الخلاصةُ الحاسمةُ:
لا تُوالِ إلَّا على الحقِّ، ولا تُعادِ إلَّا على الباطلِ، ولا تجعل الشِّعارات حَكَمًا على الوقائعِ، ولا تجعل العاطفة تُعطِّل ميزان الشَّرعِ؛ فالمؤمنُ لا يُخدَع ولا يُستَدرَج؛ لأَنَّهُ يزن الأُمور بميزانٍ لا يتبدَّل: «ميزان الوحي».
نسأَلُ الله أَن يبصِّرنا بالحقِّ، وأَن يعصمنا من الفتن، وأَن يجعلنا من أَهل العدل والبصيرة.
عبدالله بن عبدالحميد الأثري

