بينَ سُننِ التَّداولِ وواجِبِ الاستِخلافِ: رُؤْيَةٌ منهجيَّةٌ..

أَخي المسلمَ اللَّبيب المستَبصِرَ!

اعلمْ أَنَّ الأُمَّةَ تمرُّ في دَوراتٍ كونيَّةٍ من الضعفِ والاستضعافِ، وهي سُنَّةُ اللهِ في التَّداولِ؛ وقد رَسَمَ لنا النبيُّ ﷺ خارطةَ التاريخِ في حديثِ حذيفةَ بنِ اليمانِ رضي الله عنه؛ مُخبرًا عن مراحلِ الـمُلْكِ العاضِّ والجبريِّ، ومُبشرًا بـعودَةِ «الخلافةِ على منهاجِ النُّبوةِ».

وإنَّ الناظرَ في زمانِنا، لَـيَرى استطالةَ ليلِ الضعفِ وقوةَ شوكةِ الخصوم؛ غير أَنَّ السُّؤالَ المحوريَّ الذي تَنبَني عليهِ الأَحكامُ ليسَ هو: (متى يَتغيرُ الواقع؟)؛ بل السُّؤالُ الأَمانة الذي يَرتهنُ بهِ كلُّ فردٍ منا: »ماذا قَدَّمْتُ لدينِ اللهِ؟«.

إنَّ اللهَ - سبحانَهُ - لن يحاسبَنا عن »النتائج« التي لم يُمكِّنَّا منها، ولن يسألَنا: (لِمَ لم تُمكِّنوا للإسلامِ في الأَرض؟)؛ ولكنَّهُ سيسألُنا عن »الوسائل« و«الاستطاعة«: »ماذا عَمِلتُمْ لنُصرَةِ ديني؟».

وهنا وجبَ تحريرُ الفهمِ في مقامين:

الأَولُ: مقامُ العملِ لا الانتظار:

لسنا مأمورينَ بـانتظارِ الفرجِ قعودًا، ولا بتعليقِ التكليفِ على ظهورِ (المهديِّ) سُكونًا؛ بل نحن مأمورونَ بـالإصلاحِ بـقَدْرِ الـمُكنة، وبناءِ صُروحِ الحقِّ بـالمتاحِ من الأَدواتِ.

الثاني: حقيقةُ الإعدادِ (من الدَّاخلِ إلى الخارجِ):

إنَّ أَعظمَ ثغورِ النصرةِ اليوم هي: «إصلاحُ الإيمان، وتزكيةُ النفوس، وتربيةُ الأَجيالِ على مَحْضِ العقيدةِ وبصيرةِ المنهج» فالصدقُ مع اللهِ؛ هو مِفتاحُ بواباتِ التمكين.إنَّ كلَّ واحدٍ منَّا هو «ثَغْرٌ» قائمٌ بذاتِهِ؛ فالمسلمُ في بيتِهِ راعٍ ومسؤول، ومهمتُهُ تحويلُ مسكنِهِ إلى »مدرسةِ إيمانٍ«؛ على غِرارِ (دارِ الأَرقمِ) التي لم تكن جُدرانًا؛ بل كانت مَحضنًا لـصناعةِ الرجال الذين حمَلوا نورَ الإسلامِ للعالَم.

واجبُنا اليومَ هو صياغةُ »الجيلِ الصَّادق«؛ الجيلِ الذي يَعرفُ ربَّه، ويَستمسكُ بـثوابتِه، ويثبتُ في المِحنةِ؛ فإذا نزلَ نصرُ اللهِ وتنزَّلَ تمكينُهُ، وجدَ في الأُمَّةِ رِجالًا أُولي بأْسٍ وإيمان، يستحقون حَمْلَ الأَمانةِ وإقامةَ الدِّين.

لقد وعدَ اللهُ بالنصرِ؛ لكنَّهُ رَهَنَ الوعدَ بـشرطينِ لا ينفكان: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. فـالإيمانُ هو (الأَصلُ) والعملُ هو (البُرهان).

نسأَلُ اللهَ أَن يُصلحَ قلوبَنا، ويُباركَ في جُهودِنا، ويجعلَنا ممن يـهيئُ اللهُ بهم لـلأُمَّةِ أَمرَ رشدٍ، يُعزُّ فيهِ أَهلُ طاعتِهِ، ويُهدى فيهِ أَهلُ معصيتِهِ.

عبدالله بن عبدالحميد الأثري

Previous
Previous

ضابطُ الموقفِ الشَّرعيِّ من الأَنظمةِ والشِّعاراتِ: ميزانُ الحقِّ، لا صخبُ الدِّعايات:

Next
Next

«التَّغافلُ»: شيمَةُ الكِرامِ وحِصنُ الوِدادِ، وصمامُ أَمانِ المودَّةِ..