«التَّغافلُ»: شيمَةُ الكِرامِ وحِصنُ الوِدادِ، وصمامُ أَمانِ المودَّةِ..
أَخي المُحِبَّ الصَّادق!
اعلمْ - سدَّدكَ اللهُ - أَنَّ العِشرَةَ لا تستقيمُ بكثرَةِ التَّقصِّي، ولا تدومُ بدوامِ التَّدقيقً؛ فالتَّغافلُ ليسَ غباءً ولا غَفلَةً، وإنَّما هو »تغابٍ مقصودٌ، وحِلمٌ محمودٌ، وصبرٌ جميلٌ« تترفَّعُ بهِ النَّفسُ عن سفاسفِ الأُمورِ؛ ليبقى حبلُ المودَّةِ موصولًا، وصفاءُ العلاقَةِ محفوظًا.
وقدْ قيلَ: »ما استقصى كريمٌ قط«؛ لأَنَّ الكريمَ يعلَمُ أَنَّ دوامَ العِشرَةِ لا يكونُ بكشفِ كلِّ هفوَةٍ، ولا بتتبُّعِ كلِّ زلَّةٍ؛ بلْ بحفظِ الأُصولِ، والتَّجاوزِ عن الفروعِ الصَّغيرَةِ.
ولماذا يُمثِّلُ التَّغافلُ ركيزَةً في ديمومَةِ الحُبِّ؟
أَوَّلًا- صيانَةُ الوُدِّ منَ الصَّدأ:
فكثرةُ العتابِ تُميتُ القلبَ، والوقوفُ عندَ كلِّ زلَّةٍ يُورثُ الجفاءَ!
أَمَّا التَّغافلُ؛ فهو دواءٌ نافعٌ يُطهِّرُ القلوبَ من غبارِ الخلافاتِ العابرَةِ، ويجعَلُ النَّظرَ متعلِّقًا بـ »الأَصلِ الجميل« لا بـ »الفرعِ الزَّلَلِ«.
ثانيًا- مَنحُ مساحَةٍ للنُّموِّ والرُّجوعِ:
فالمحبوبُ بشرٌ يُخطئُ ويُصيبُ، وتغافلُكَ عن هفواتِهِ يمنحُهُ أَمانًا نفسيًّا يعودُ بهِ إلى رُشدِهِ من غيرِ انكسارٍ ولا خجلٍ جارحٍ؛ فيرى فيكَ حلمًا وسعَةَ صدْرٍ؛ فيزدادُ لكَ محبَّةً وإجلالًا.
ثالثًا- حفْظُ هيبَةِ العلاقَةِ:
فالتَّغافلُ يحمي ميزانَ الاحترامِ؛ إذْ حينَ نغضُّ الطَّرفَ عن صغائرِ الأُمورِ، نحفظُ طاقَةَ القلبِ للعظائِمِ؛ فلا تُبتذَلُ المشاعِرُ في مراءٍ لا طائلَ منهُ، ولا تُستنزَفُ المودَّةُ في خصامٍ لا نفعَ فيهِ.
خُلاصَةُ المعنى:
الحُبُّ الصَّادقُ ذكاءٌ في الاختيارِ، وكرمٌ في التَّغافلِ، وحُسنُ عِشرَةٍ عندَ ظهورِ النَّقصِ؛ فمَن أَرادَ أَن تدومَ لهُ المودَّةُ، فليضَعْ عدسَةَ التَّكبيرِ جانبًا عندَ رؤْيَةِ عيوبِ أَحبابِهِ، وليتذكَّرْ أَنَّ تسعَةَ أَعشارِ حُسنِ الخُلُقِ في التَّغافلِ، وتسعَةَ أَعشارِ استمرارِ الحُبِّ في التَّجاوزِ.
اللَّهُمَّ! ارزقنا قلوبًا واسعةً تعفو ولا تحقدُ، وأَلسنَةً طيِّبَةً تنصحُ ولا تجرحُ، ونفوسًا كريمةً تتغافلُ عن الزلَّاتِ، وتحفظُ الودَّ، وتصونُ العِشرَةَ، واجعلنا من أَهلِ الحلمِ والصَّفحِ وحُسنِ الخلقِ.. آمين!
عبدالله بن عبدالحميد الأثري

