«التَّضحيةُ»: جوهَرُ البَذْلِ وبرهانُ الصِّدْقِ..

أَخي المُحِبَّ الصَّادق!

اعلمْ - رزقكَ اللهُ محبَّةً خالصَةً وأَثرًا طيِّبًا - أَنَّ الحُبَّ دعوى لا ينهضُ بصدقِها إلَّا البذل، ولا يثبتُ على محكِّ الوفاءِ إلَّا التَّضحية؛ فالتَّضحيَةُ في ميزانِ الأَوفياءِ ليستْ إماتةً للذات، ولا محوًا للشخصيَّة، بل هي إيثارُ المحبوبِ بما ينفعُهُ، واحتمالُ المشاقِّ في سبيلِ راحتِهِ، والوقوفُ في وجهِ العاصفةِ ليبقى هو في مأْمنٍ وسكينَةٍ.لماذا تُعدُّ التَّضحيَةُ ذروةَ سنامِ الحبِّ الصَّادقِ؟

١- كسرُ صنمِ »الأَنا«:

فالحبُّ الحقُّ لا يُبقي صاحبَهُ أَسيرَ نفسِهِ؛ بل يُخرجه من ضيقِ الأَثرةِ إلى سعةِ البذل. والمحبُّ الصَّادقُ هو الذي يهبُ من وقتِهِ، ويقتطعُ من راحتِهِ، ويغالبُ بعضَ هواه؛ ليجبرَ كسرًا، أَو يسدَّ حاجةً، أَو يردَّ ضررًا عمَّن يحبُّ، من غيرِ تكديرٍ ولا امتهان.

٢- لأَنَّها لغةُ القلوبِ التي لا تكذِبُ:

فالكلماتُ مهما رقَّتْ قدْ تذهَبُ مع الأَيامِ، أَمَّا المواقفُ التي خُضِّبتْ بالتَّضحيةِ فإنها تبقى راسخةً في الوجدانِ؛ إذِ التَّضحيةُ برهانٌ عمليٌّ يفهمُهُ كلُّ قلبٍ، وتبني من العرفانِ والثِّقةِ ما لا تهدمُهُ الزَّلَّاتُ العارضةُ ولا الخلافاتُ الطارئَةُ.

٣- لأَنَّها الميزانُ الحقُّ عندَ الشَّدائدِ:

فليسَ الحُبُّ ما يظهرُ في ساعاتِ الأُنسِ والرَّخاءِ، وإنما يُعرفُ معدنُهُ إذا حضرتِ الكلفَةُ، ونزلَتِ المشقَّةُ، واحتاجَ الأَمرُ إلى بذلٍ يُدفَعُ من رصيدِ الرَّاحةِ والهوى.. وهناكَ يتبيَّنُ الصَّادقُ من المُدَّعي، والوَفيُّ من المُتلوِّنِ.

خلاصَةُ المعنى:

الحبُّ الصَّادقُ: ليسَ استبْقاءً لما عندَ النَّفسِ؛ بلْ هو عطاءٌ يفيضُ منها؛ فمَن أَرادَ منزلةً باقيةً في القلوبِ، فليجعلْ فيها أَثرًا من تضحيَةٍ؛ فإنَّ القلوبَ مفطورَةٌ على الميلِ إلى مَن بذلَ لها، لا إلى مَنْ استكثرَ عليها وأَتعبَها.

اللَّهُمَّ! ارْزُقنا رُوحَ البَذْلِ والتَّضحيَةِ، واجعَلنا ممَّن يُؤْثرونَ على أَنفسهِمْ لِإسعادِ مَن يحبُّونَ، واعصِمنا من نزغاتِ الشَّيطَانِ.

عبدالله بن عبدالحميد الأثري

Previous
Previous

«التَّغافلُ»: شيمَةُ الكِرامِ وحِصنُ الوِدادِ، وصمامُ أَمانِ المودَّةِ..

Next
Next

«التَّقديرُ»: مِحرابُ الكرامَةِ في الحُبِّ..