«التَّقديرُ»: مِحرابُ الكرامَةِ في الحُبِّ..

أَخي المُحِبَّ الصَّادق!

اعلمْ - رفعَ اللهُ قدركَ - أَنَّ الحُبَّ، مهما توهَّجتْ حرارتُهُ، لا يثبتُ ولا يستقيمُ إلَّا بالتَّقديرِ؛ فالحبُّ بِلا تقديرٍ بناءٌ بِلا سقفٍ، تعبثُ بهِ رياحُ الاستخفافِ حتى تتصدَّعَ أَركانُهُ، وتتداعى دعائمُهُ.

والتَّقديرُ ليسَ كلماتِ شكرٍ باردَةٍ؛ بل هو إجلالُ روحٍ لروحٍ، ومعرفةٌ بمواقعِ الفضلِ، وحفظٌ لحرمَةِ المنزلَةِ.

وللتَّقديرِ في ميزانِ الحبِّ ثلاثَةُ أَركانٍ:

١- الاعترافُ بالفضلِ:

فالمحبُّ الصَّادقُ مَن »أَشكرِ النَّاسِ« لصاحبهِ؛ لا يرى عطاءَهُ واجبًا مفروضًا، ولا يعدُّ إحسانَهُ حقًّا مستحقًّا، بلْ يراهُ فضلًا يُشكر، ولطفًا يُذكر؛ فيُثني على الجميلِ، ويتغاضى عن التَّقصيرِ، ويجعلُ من الكلمَةِ الطيبَةِ سياجًا يحمي المودَّةَ من غوائلِ الجفاءِ.

٢- رعايةُ الهيبةِ وحفظُ المهابَةِ:

فالحبُّ لا يعني سقوطَ الهيبَةِ، ولا رفعَ الكُلْفةِ التي تقي من الامتهانِ، بل هو أَمانٌ في ظلِّ الاحترامِ والإجلال؛ فلا يكسرُ المحبُّ خاطرَ محبوبِهِ، ولا يُهينُ كرامتَهُ، ولا يستبيحُ مقامَهُ باسمِ الأُلْفةِ أَو القُربِ؛ بل يزدادُ لهُ توقيرًا كلَّما ازدادَ منهُ قربًا.

٣- السَّعةُ والاحتواء:

وذلك أَنْ تقبلَ مَن تُحبُّ بجملتِهِ؛ فتُقدِّرَ مواهبَ عقلِهِ، وتحترمَ صدقَ رأْيِه، وتكونَ عَضُدًا لطموحِهِ؛ فإنَّ الحبَّ الأَصيلَ يرفعُ المرءَ في عينِ نفسِهِ، ولا يسومُهُ خَسفًا أَو صَغارًا.

خلاصةُ المعنى: الحبُّ بدءٌ، والوفاءُ عهدٌ، والتَّقديرُ بقاء؛ فمَن أَرادَ سُكنى القلوبِ، فليبنِ لها محرابًا من التَّقديرِ؛ فإنَّ القلوبَ تميلُ إلى مَن يُكرمُها، وتنفرُ ممَّن يجرحُ عزَّتَها.

عبدالله بن عبدالحميد الأثري

Previous
Previous

«التَّضحيةُ»: جوهَرُ البَذْلِ وبرهانُ الصِّدْقِ..

Next
Next

«الوفاءُ»: عُملةُ الكرامِ النادرَةِ