«الوفاءُ»: عُملةُ الكرامِ النادرَةِ
أَخي المُحِبَّ الصَّادق!
اعلمْ - سدَّدكَ اللهُ - أَنَّ الحُبَّ يبدَأُ بكلمَةٍ، لكنَّهُ لا يستمِرُّ إلَّا بالوفاءِ؛ والوفاءُ ليسَ مجرَّدَ بقاءٍ معَ الآخرِ، بلْ هو »ثباتُ القلبِ« على المودَّةِ في حُضورِ المحبوبِ وغيابهِ، وفي رخائهِ وشدَّتهِ، وفي غِناهُ وفقْرِهِ.
هو العهدُ الذي لا يتبدَّلَ بتبدُّلِ المصالحِ، ولا يلينُ أَمام إغراءاتِ البدائلِ.لماذا يُعدُّ الوفاءُ جوهرَ الحُبِّ الصَّادقِ؟
١- الوفاءُ عهدٌ أَخلاقيٌّ:
الحبُّ عندَ الأَوفياءِ ذمَّةٌ وميثاقٌ؛ فالمُحِبُّ الحقيقيُّ لا يرى في محبوبِهِ »خيارًا« بينَ خياراتٍ، بلْ يراهُ »قدرًا« ارتضاهُ، فلا يلْتفتُ عنهُ وإنْ تزيَّنَ لهُ غيرُهُ؛ فالأَوفياءُ لا يغدِرونَ بالقلوبِ التي سكنُوا فيها.
٢- ميزانُ الشَّدائِدِ:
يسهُلُ الوفاءُ في أَيامِ الصَّفاءِ، لكنَّ الوفاءَ الحقيقيَّ هو الذي يلْمَعُ في عتمَةِ المحنِ؛ حينَ يكونُ المحبوبُ في أَمسِّ الحاجَةِ إلى يدٍ تُمسكُهُ، وقلبٍ يَثْبُتُ معهُ؛ هناكَ ينكشِفُ »طُلَّابُ اللَّذَّةِ« ويَثْبُتُ »أَهلُ المروءَةِ«.
٣- طيبُ الأَثَرِ بعدَ الفقْدِ:
الوفاءُ الصَّادِقُ لا ينتَهي بانقضاءِ اللِّقاءِ؛ بلْ يمتدُّ ذكرًا جميلًا، ودعاءً في ظهْرِ الغيبِ، وحفظًا لسرِّ من غابَ؛ فمَنْ حَفِظَ عهدَكَ في غيابكَ؛ فهو الذي استحَقَّ أَنْ يملكَ قلبكَ في حُضوركَ.
خُلاصَةُ المعْلَمِ: إذا كانَ الاهتمامُ شِريانَ الحياةِ؛ فإنَّ الوفاءَ هو »حِصْنُ الكرامَةِ« الحبُّ بِلا وفاءٍ؛ هو رحلَةٌ بِلا وصولٍ، وبناءٌ بِلا أساس.
فمَنْ لم يجِدْ في نفسِهِ وفاءً للعُهودِ: فلا يطرُقْ أَبوابَ القُلوبِ؛ فإنَّ كسْرَ القُلوبِ خيانَةٌ عظيمَةٌ لا تُغفَرُ في ميزانِ المروءَةِ
عبدالله بن عبدالحميد الأثري

