فسادُ القياسِ بينَ التَّاريخِ والواقعِ: مِنَ الفاطميِّينَ إلى إيران..

أَخي المسلمَ اللَّبيب!

اعلمْ أَنَّ الاحتجاجَ بعلاقةِ نورِ الدِّينِ وصلاحِ الدِّينِ مع الفاطميِّينَ، وإنزالَهُ على واقعِ العلاقَةِ مع إيرانَ اليومَ؛ قياسٌ فاسدٌ تاريخيًّا وسياسيًّا!

فالخلافُ مع إيرانَ ليسَ بسببِ التشيُّعِ مجرَّدًا؛ بل بسببِ مشروعِها »العدائيِّ والتَّخريبيِّ« في بلادِ العربِ وأَهلِ السُّنَّة؛ من العراقِ إلى سوريا واليمنِ ولبنان، وصولًا إلى استهدافِ دولِ الخليجِ؛ ولذلك لا يصحُّ تصويرُ الموقفِ منها على أَنَّهُ مجرَّدُ خلافٍ مذهبيٍّ.

ثمَّ إنَّ نورَ الدِّينِ زنكيًّا لم يكن داعمًا للفاطميِّينَ على الحقيقَةِ، وإنَّما كان »صاحبَ مشروعٍ استراتيجيٍّ لتحريرِ القُدْسِ« وكان يرى أَنَّ ذلك لا يتمُّ إلّا بضمِّ »مصرَ« وإنهاءِ الحكمِ الفاطميِّ الذي تحالفَ مع الصليبيِّينَ وأَضعفَ الأُمَّةَ.

كما يتبيَّنُ أَنَّ دُخولَ »شيركوه وصلاحِ الدِّينِ« إلى مصرَ لم يكن استجابةً بريئةً لطلبِ الفاطميِّينَ؛ بل جرى في سياقِ صراعٍ سياسيٍّ وعسكريٍّ مُعقَّدٍ، انتهى إلى انتزاعِ مصرَ من النُّفوذِ الفاطميِّ والصَّليبيِّ معًا، لا إلى تثبيتِ حكمِهم أَو نُصرتهم.

وأَنَّ القولَ بأَنَّ صلاحَ الدِّينِ آل إليهِ المُلكُ باختيارِ الخليفةِ الفاطميِّ فمُغالطَةٌ ظاهرَةٌ؛ لأَنَّ الوقائعَ التاريخيّةَ تدُلُّ على أَنَّهُ عملَ على إضعافِ الدَّولةِ الفاطميَّةِ وإنهائِها تنفيذًا لسياسةِ نورِ الدِّين؛ حتى أُبطلتْ خلافتُهُم، وأُعيدتِ الخُطبةُ للعبَّاسيِّينَ.

الخلاصَةُ: أَنَّ هذا التَّشبيهَ مُضلِّلٌ؛ لأَنَّ نورَ الدِّينِ وصلاحَ الدِّينِ لم ينصُرَا الفاطميِّينَ، بل دخلا مصرَ لإنقاذِها من خطرِهِمْ وخطرِ الصليبيِّينَ؛ بينما «إيرانُ اليومَ» ليسَتْ حليفًا يُتغاضى عن مشروعِهِ، بل طرفٌ لَهُ مشروعُهُ الخاصُّ المعادي لكيانِ الأُمَّةِ؛ فلا يصحُّ تزيينُ دعمِها بمثلِ هذِهِ المقارناتِ التَّاريخيَّةِ.

عبدالله بن عبدالحميد الأثري

Previous
Previous

تجريدُ التَّوحيدِ: عن الأَصنامِ الخفيَّةِ وغبَشِ الرِّياءِ:

Next
Next

التَّاريخُ لا يُنسَخُ نسخًا أَعمَى: