التَّاريخُ لا يُنسَخُ نسخًا أَعمَى:

أَخي الدَّاعيةَ اللَّبيب!

اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ - أَنَّ جُملَةً مِن كلامِ أَئمَّةِ السَّلَفِ المتقدِّمينَ في أَبوابِ التَّبديعِ والهجرِ والزَّجرِ، صدرَتْ في سياقاتٍ كانَ فيها سُلطانُ السُّنَّةِ ظاهرًا، وأَهلُها أَقوياءَ، والبِدعةُ - في كثيرٍ من المواطنِ - محصورَةً أَو مقهورَةً؛ فكانَ للزَّجْرِ أَثَرُهُ، وللهَجْرِ مقصدُهُ، وللتَّغليظِ ثمرتُهُ.

أَمَّا في زمانِ الغُربَةِ، وغلبَةِ الجهلِ، وتسلُّطِ الشُّبُهاتِ، وضعفِ المرجعيَّاتِ العلميَّةِ؛ فإنَّ الدَّاعيةَ الحصيفَ لا يَنسَخُ موقفًا من القرنِ الثَّالثِ أَو الرَّابعِ ليجعلَهُ قانونًا مطلقًا في كلِّ زمانٍ ومكانٍ؛ بلا فقهٍ للمَناطِ، ولا نظرٍ في المآلِ، ولا تمييزٍ بينَ الحُكمِ العامِّ وتنزيلِهِ على الأعيانِ.

فالمسأَلَةُ ليسَتْ حفظَ مواقفَ تُردَّدُ، ولا أَلفاظًا تُنزَعُ من سياقِها، بل هي »فهمُ عِلَلٍ ومقاصدَ« و»فقهُ مناطاتٍ ومآلاتٍ«؛ حتَّى يُوضَعَ كلامُ الأَئمَّةِ في موضعِهِ، ويُحفَظَ للحقِّ حقُّهُ، وللدَّعوةِ رحمتُها، وللأُمَّةِ وحدتُها.

اللَّهُمَّ! ارزقْنا علمًا راشدًا، وفهمًا سديدًا، وفقهًا في دينِكَ وواقعِ عبادِكَ، واجعلْنا مفاتيحَ هدى ورحمة، لا أَبوابَ فتنةٍ وفُرقَةٍ.. آمين!

عبدالله بن عبدالحميد الأثري

Previous
Previous

فسادُ القياسِ بينَ التَّاريخِ والواقعِ: مِنَ الفاطميِّينَ إلى إيران..

Next
Next

»دِرَّةُ عمرَ« رضيَ اللهُ عنهُ: رمزُ العَدْلِ لا أَداةُ البطشِ: