»دِرَّةُ عمرَ« رضيَ اللهُ عنهُ: رمزُ العَدْلِ لا أَداةُ البطشِ:

أَخي المسلمَ اللَّبيب!

اعلمْ - رحمكَ اللهُ - أَنَّ »دِرَّةَ عمرَ بنِ الخطَّابِ« رضيَ اللهُ عنهُ؛ لم تكنْ مجرَّدَ سوطٍ يُلوَّحُ بهِ، ولا حكايَةً تُستدعى للتَّشويقِ والتَّعظيمِ؛ بل كانتْ رمزًا لمنهجٍ كامِلٍ في إقامَةِ العَدْلِ، وحراسَةِ هيبَةِ الشَّرعِ، وصيانَةِ مصالحِ العبادِ من عبَثِ العابثينَ وتلاعبِ المتلاعبينَ.

كانتْ »دِرَّةُ عمرَ« - في معناها الصَّحيحِ - عنوانًا على أَنَّ القيادةَ ليسَتْ ترفًا، وأَنَّ الولايةَ ليسَتْ زينةً، وأَنَّ المجتمعَ لا يستقيمُ بالمواعظِ وحدَها إذا ماتتْ فيهِ هيبةُ الحقِّ، ولا تُحفَظُ مصالحُ النَّاسِ إذا تُركَ العابَثُ يعبَثُ، والمتلاعبُ يتلاعبُ، والمتصدرُ بغيرِ أَهليةٍ يفسدُ العقولَ والصُّفوفَ والمؤَسَّساتِ.

لم تكنْ »دِرَّةُ عمرَ« دِرَّةَ ظلمٍ ولا انتقامٍ، ولا عصا استبدادٍ ولا تشفٍّ؛ بل كانتْ دِرَّةَ عدلٍ وتأْديبٍ وتقويمٍ، تُذكِّرُ الكبيرَ قبلَ الصَّغيرِ أَنَّ للحقِّ سلطانًا، وللأُمَّةِ حرمَةً، وللمناصِبِ أَمانَةً، وللحدودِ مهابَةً، وللنَّاسِ حقوقًا لا يجوزُ أَن تضيعَ تحتَ أَقدامِ الهوى والمجاملةِ والضعفِ والتسيُّبِ.

* وما أَحوجَ النَّاسَ اليومَ إلى معنى »دِرَّةِ عمرَ«!

لا إلى صورتِها الحسيَّةِ، ولا إلى القسوَّةِ المنفِّرَةِ، ولا إلى العنفِ الأَعمى؛ ولكن إلى روحِها المنهجيَّةِ: روحِ الحزمِ العادلِ، والرقابَةِ الصَّادقَةِ، والمحاسبَةِ المنضبطَةِ، وحمايَةِ الحقوقِ، وإيقافِ المتعدِّي عندَ حدِّهِ، ومنعِ الضَّعيفِ من أَن يتصدَّرَ باسمِ الطاعَةِ، ومنعِ المتزلِّفِ من أَن يعلوَ باسمِ القربِ، ومنعِ صاحبِ الهوى من أَن يلبسَ ثوبَ الدَّعوَةِ والعلمِ.

إنَّ الأُمَّةَ التي تفقدُ معنى »دِرَّةِ عمرَ« تفقدُ شيئًا من مناعتِها؛ لأَنَّها حينئذٍ تُجاملُ حيث يجبُ البيانُ، وتسكتُ حيثُ يجبُ الإنكارُ، وتُقدِّمُ السَّلامةَ حيثُ يجبُ القيامُ للهِ تعالى، وتستبدلُ بالحزمِ رخاوةً، وبالعدْلِ محاباةً، وبالنَّصيحَةِ تصفيقًا، وبالمحاسبَةِ أَعذارًا باردَةً.

* و»دِرَّةُ عمرَ« اليومَ ليسَتْ سوطًا يُرفَعُ على الظُّهورِ؛ بلْ ميزانٌ يُرفعُ في الوجوهِ:

- ميزانٌ يقولُ للقائِدِ: اتَّقِ اللهَ تعالى فيمَن تحتَ يدِكَ.

- ويقولُ للعالِمِ: لا تجعلِ العلمَ سلَّمًا للجاهِ.

- ويقولُ للمؤَسَّسَةِ: لسْتِ ملكًا للأَشخاصِ؛ بل أَمانَةٌ للدِّينِ والأُمَّةِ.

- ويقولُ للتَّابعِ: لا تجعلِ الطَّاعَةَ العمياءَ دينًا، ولا تجعلِ الأَدبَ معَ الأَكابرِ بابًا لتعطيلِ الحقِّ.

- ويقولُ للمتصدِّرِ: إن لم تكنْ أَهلًا للأَمانَةِ؛ فافسحِ المجالَ لمن يقومُ بها.

= فليسَتِ الدِّرَّةُ المطلوبَةُ اليومَ دِرَّةَ يدٍ؛ بلْ دِرَّةُ منهجٍ:حزمٌ بِلا ظلمٍ، ورحمَةٌ بِلا تمييعٍ، وعدلٌ بِلا محاباةٍ، ونصيحَةٌ بِلا تشهيرٍ، ومحاسبَةٌ بِلا انتقامٍ، وهيبَةٌ للحقِّ لا للأَشخاصِ.

* فرضيَ اللهُ عن عمرَ، وعن »دِرَّتِهِ« التي بقيتْ في ذاكرَةِ الأُمَّةِ رمزًا ناطقًا بأَنَّ العَدْلَ لا يعيشُ بِلا قوَّةٍ، وأَنَّ الرَّحمَةَ لا تصحُّ بِلا حزمٍ، وأَنَّ القيادَةَ إذا فقدَتْ هيبَةَ الحقِّ صارَتْ منصبًا بِلا روحٍ، واسمًا بِلا أَثرٍ، وسُلطَةً بِلا بركَةٍ.

اللَّهُمَّ! ارزقْنا عدلَ عمرَ، وحزمَ عمرَ، وتجَرُّدَ عمرَ، واجعلْ في قلوبِنا رحمةً لا تُميِّعُ الحقَّ، وقوَّةً لا تظلمُ الخلقَ، وهيبةً للشَّرعِ لا للأَشخاصِ، واجعلْنا مفاتيحَ عدلٍ وإصلاحٍ، لا أَبوابَ جورٍ وفسادٍ.

عبدالله بن عبدالحميد الأثري

Previous
Previous

التَّاريخُ لا يُنسَخُ نسخًا أَعمَى:

Next
Next

»العيدُ في الإسلامِ« عبادَةٌ ترتدي ثوبَ الفرحِ: