»العيدُ في الإسلامِ« عبادَةٌ ترتدي ثوبَ الفرحِ:
ليسَ العيدُ في الإسلامِ مجرَّدَ محطَةٍ لخلْعِ التَّعبِ وارتداءِ الجديدِ، ولا موسمًا للطعامِ والزِّياراتِ فحسب؛ بل هو ذروَةٌ من ذُرى العبادَةِ، ومظهرٌ من مظاهرِ التَّوحيدِ، وشعيرَةٌ تُعلِنُ أَنَّ فرحَ المؤْمنِ لا ينفصلُ عن عبوديَّتِهِ لربِّهِ الكريمِ.
إنَّنا لا نفرحُ لأَنَّ العبادَةَ انتهت، بل نفرحُ لأَنَّ اللهَ وفَّقنا لإتمامِها؛ فالعيدُ في الإسلامِ ليسَ انفلاتًا من قيدِ الطَّاعَةِ، بل انتقالٌ من طاعَةٍ إلى طاعَةٍ: من طاعَةِ الصِّيامِ أَو النُّسكِ، إلى طاعَةِ الشُّكرِ والفرحِ المشروعِ، وصلَةِ الرَّحِمِ، وإدخالِ السُّرورِ على عبادِ اللهِ.
قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
* ويتجلَّى معنى العيدِ في ثلاثَةِ أَبعادٍ عظيمَةٍ:
- بُعدٌ ربَّانيٌّ:
نُكبِّرُ اللهَ فيهِ على ما هدانا؛ ليعلمَ القلبُ أَنَّ كلَّ كبرياءِ الدُّنيا يصغرُ أَمامَ جلالِ الله، وأَنَّ الفرحَ الحقَّ هو ما كانَ موصولًا بطاعتِهِ وشكرِهِ.
- وبُعدٌ إيمانيٌّ إنسانيٌّ:
نغسلُ فيهِ قلوبَنا من الضَّغائن، ونُقبلُ على العفوِ والصَّفحِ؛ فالعيدُ لا يدخلُ البيوتَ بأَثوابِ الزِّينَةِ فقط، بل يدخلُ القلوبَ المتسامحةَ التي عرفتْ معنى المغفرَةِ.
- وبُعدٌ تكافليٌّ:
نلتفتُ فيهِ إلى الفقراءِ والمنكسرينَ وأَهلِ البلاءِ؛ فلا يكتملُ عيدُ المؤمنِ وثمَّةَ جائِعٌ لا يُطعَم، أَو مكلومٌ لا يُواسَى، أَو قريبٌ لا يُوصَل.فالعيدُ الحقيقيُّ؛ ميلادٌ جديدٌ للرُّوحِ، ويومٌ تُجدَّدُ فيهِ التَّوبَةُ، وتُوصَلُ فيهِ الأَرحامُ، وتُجمعُ فيهِ الكلمَةُ، ويُفرَحُ فيهِ بطاعَةِ اللهِ لا بمعصيتِهِ.
جعلَ اللهُ أَيَّامَكم كلَّها أَعيادًا بطاعتِهِ، وملأَ قلوبَكم نورًا وسلامًا، وتقبَّلَ منَّا ومنكم صالحَ الأَعمالِ.
عبدالله بن عبدالحميد الأثري

