ذَهابُ الكِبارِ وإسنادُ الأَمرِ إلى غيرِ أَهله
(ذَهابُ الكِبارِ وإسنادُ الأَمرِ إلى غيرِ أَهله)
أَخي المسلمَ اللَّبيب!
اعلمْ ـ ثبَّتَكَ اللهُ على الحقِّ ـ أَنَّ مِن أَشراطِ السَّاعَةِ وعلاماتِ فسادِ الزَّمان:
ذَهابَ الصَّالحين، وقِلَّةَ العلماءِ العاملين، وضعفَ أَهلِ البصيرَةِ والرَّبَّانيَّة، وإِسنادَ الأَمرِ إلى غيرِ أَهله؛ كما قالَ النَّبيُّ ﷺ:
»إِذَا وُسِّدَ الأَمرُ إلى غيرِ أَهلهِ فانتظرِ السَّاعَة».
وإِنَّ مِن صورِ هذا الخللِ؛ أَن ترى بعضَ المؤسَّساتِ العلميَّةِ والدَّعويَّةِ تشتغلُ بالقضايا الشَّكليَّةِ والجزئيَّةِ، وتُحسنُ الكلامَ في المسائلِ الآمنةِ التي لا تُكلِّفُها موقفًا ولا تُعرِّضُها لتَبِعَةٍ، ثمَّ تُعرضُ عن القضايا الكُبرى، والنَّوازلِ العامَّة، والجراحِ القاصمةِ التي تنـزلُ بالأُمَّةِ في دينِها ودمائِها وأَعراضِها ومقدَّساتِها.
فترى الأُمَّةَ تُستباحُ، وأَعراضُ المسلمينَ تُنتهكُ، ودماءُ الأَبرياءِ تُسفكُ، والعدوُّ يصولُ ويجولُ، ثمَّ لا يكادُ بعضُ المتصدِّرينَ يجدونَ ما يُشغلونَ به النَّاسَ إلَّا مسائلَ فرعيَّةً في غيرِ موضعِها ولا زمانِها؛ كأنْ تُطرحَ القضايا الكبرى جانبًا، ويُجعلَ مدارُ الخطابِ على مسألةٍ جزئيَّةٍ؛ بينما جراحُ الأُمَّةِ تنزفُ، وبيوتُ المسلمينَ تُهدمُ، ونساؤُهم وأَطفالُهم يُقتلونَ ويُشرَّدونَ.
وليسَ المقصودُ تهوينَ شأنِ الفروعِ العلميَّةِ، ولا إسقاطَ البحثِ الفقهيِّ في مسائلهِ؛ فكلُّ علمٍ لهُ موضعُهُ، وكلُّ مسألةٍ لها قدرُها.
ولكنَّ الخللَ كلَّ الخللِ أَن تختلَّ الموازينُ؛ فيُقدَّمَ المهمولُ على المهمِّ، والجزئيُّ على الكلِّي، والآمنُ على الواجبِ، والمسكوتُ عنهُ على ما يجبُ بيانُهُ للأُمَّةِ في ساعةِ البلاءِ.
فأَيُّ فقهٍ هذا الذي يغفلُ عن نازلةٍ تُبادُ فيها مدينةٌ، وتُسحقُ فيها أُسَرٌ، وتُمنعُ فيها شعائرُ المسلمينَ وحقوقُهم، ثمَّ يملأُ المجالسَ بجدلٍ لا يُنكرُ أَصلَهُ، ولكن يُنكرُ وضعَهُ في غيرِ موضعِه؟!
إِنَّ العلمَ الحقَّ ليسَ معلوماتٍ تُستعرضُ، ولا فتاوى تُكرَّرُ في المسائلِ المأمونةِ، بل هو بصيرةٌ تُدركُ مراتبَ الواجباتِ، وفقهٌ يعرفُ مآلاتِ الكلامِ والسُّكوتِ، وشجاعةٌ شرعيَّةٌ تحملُ صاحبَها على نصرةِ الحقِّ، والقيامِ للهِ بالقسطِ، والدِّفاعِ عن قضايا الأُمَّةِ الكبرى بالعلمِ والحكمةِ والعدلِ.
فاللهمَّ! ثبِّتنا على الحقِّ، ولا تجعلْ مصيبتَنا في دينِنا، ولا تُسلِّطْ علينا بذنوبِنا مَن لا يخافُكَ فينا ولا يرحمُنا.
اللهمَّ ولِّ على المسلمينَ خيارَهم، واكفِهم شرارَهم، واجمعْ كلمتَهم على الحقِّ والهدى، وانصرِ المستضعفينَ من عبادِكَ في كلِّ مكان.. آمين!
عبدالله بن عبدالحميد الأثري

