أَخي المسلمَ الصَّادِقَ!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للثَّباتِ على الحقِّ - أَنَّ التَّضييقَ على دعاةِ الحقِّ، والكيدَ لأَهلِ الإصلاحِ، ومواجهَةَ دعوَةِ التَّوحيدِ والطَّهارَةِ والعفافِ؛ ليسَتْ حادثَةً جديدَةً في تاريخِ البَشَرِ، ولا أَمرًا طارِئًا على طريقِ الدَّعوَةِ؛ بلْ هيَ «سُنَّةٌ ماضيَةٌ» من سُننِ الابتلاءِ والتَّدافعِ بينَ الحقِّ والباطِلِ.
فمُنْذُ أَوَّلِ الصِّراعِ بينَ آدمَ - عليهِ السَّلامُ - وإبليسَ، والباطِلُ لا يرضى للحقِّ أَن ينتشرَ، ولا للطَّهارَةِ أَن تعلُو، ولا للدَّعوَةِ أَن تتحرَّرَ من ضغْطِ الشَّهواتِ والشُّبهاتِ والمصالِحِ الفاسدَةِ.
وقدْ قصَّ اللهُ علينا أَنَّ كثيرًا من أَقوامِ الأَنبياءِ لم يواجهوا حججَ الرُّسلِ بالحجَّةِ، ولا دعوتَهم بالبيانِ؛ بلْ قابلوهم بالتَّشويهِ، والطَّرْدِ، والتَّهديدِ، والقتْلِ، والتَّحريقِ.
قالَ تعالى عن قومِ لوطٍ؛ عليهِ السَّلامُ:
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾.
وقالَ تعالى عن قومِ إبراهيمَ؛ عليهِ السَّلامُ:
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
فتأَمَّلْ: كيفَ صارَتِ الطَّهارَةُ عندَ أَهلِ الفسادِ تُهمَةً، وكيفَ صارَ الإصلاحُ عندَ أَهلِ الباطلِ جريمَةً، وكيفَ لم يجدوا جوابًا على نورِ الوحّيِ إلَّا الطَّردَ، أَو القتْلَ، أَو التَّحريقَ!
لكنَّ المؤْمنَ اللَّبيبَ؛ لا يجزعُ من طولِ الطَّريقِ، ولا يغتَرُّ بكثرَةِ المخالفينَ، ولا يظنُّ أَنَّ الأَذى دليلُ خذلانِ؛ فإنَّ طريقَ الأَنبياءِ محفوفٌ بالابتلاءِ، ولكنَّهُ مختومٌ بالعاقبَةِ لأَهلِ الإيمانِ والصَّبْرِ والتَّقوى.
ومعَ ذلكَ؛ فليسَ كلُّ مَن ادَّعى الحقَّ كانَ من أَهلِهِ، ولا كلُّ معارضَةٍ تُسمَّى مؤامرَةً؛ بلِ الميزانُ هو الوحْيُ، والصِّدْقُ، والعَدْلُ، والحكمَةُ، وحُسْنُ الاتباعِ.
فمَن كانَ على بيِّنَةٍ من ربِّهِ جلَّ في عُلاهُ، مستمسكًا بالكتابِ والسُّنَّةِ، سائرًا على فهمِ سلفِ الأُمَّةِ وأَئمَّةِ الهُدى، وفي مقدِّمتِهم الأَئمَّةُ الأَربعَةُ؛ صادِقَ النُّصحِ للأُمَّةِ، رحيمًا بالخلْقِ، ثابتًا على الحقِّ، صابرًا على الأَذى؛ فليَمضِ في طريقِهِ مطمئِنًّا، ولا يلتفِتْ إلى تشويهِ المشوِّهينَ، ولا إلى كيدِ الكائدينَ؛ فإنَّ العاقبَةَ للتَّقوى، والنَّصرَ معَ الصَّبرِ، والفرجَ معَ الكربِ.
فاثبِتْ على الحقِّ بِلا غُرورٍ، واصبرْ بِلا يأْسٍ، وادْعُ إلى اللهِ بِلا انتقامٍ؛ فإنَّ الباطِلَ قدْ يعْلُو ضجيجُهُ، ولكنَّ الحقَّ يبقَى نورُهُ، والعاقبَةُ للمتقينَ.

