أَخي المسلمَ الصَّادق!

اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لنورِ الوحيِ وسلامَةِ الفهْمِ - أَنَّ العقْلَ نعمَةٌ عظيمَةٌ من نعَمِ اللهِ تعالى، وآلةٌ شريفَةٌ للفهْمِ والتَّمييزِ والنَّظَرِ؛ غيرَ أَنَّهُ لا يهتدي الهدايَةَ الكاملَةَ إذا استغْنى عن نورِ الوحي، ولا سيَّما في أَبوابِ الغَيْبِ، وأُصُولِ الاعتقادِ، ومصائِرِ العبادِ، وما لا سبيلَ للعقْلِ المجرَّدِ إلى إدراكِهِ استقلالًا.

فالعقْلُ الصَّريحُ لا يُعارضُ النَقْلَ الصَّحيحَ، وإنَّما يقَعُ الخلَلُ حينَ يُقدِّمُ الإنسانُ ظنونَهُ، وأَهواءَهُ، ومقاييسَهُ القاصرَةَ، وانطباعاتِهِ المتغيِّرةَ، على كتابِ اللهِ تعالى وسُنَّةِ رسولِهِ ﷺ؛ فيجعَلُ عقلَهُ حاكمًا على الوحي، بدَلَ أَن يجعلَهُ خادمًا لفهمِ الوحي والاهتداءِ بهِ.

- وتأَمَّلْ قولَ اللهِ تعالى في ابنِ نوحٍ؛ حينَ قابلَ أَمْرَ اللهِ بمقياسِهِ البَشريِّ القاصِرِ:

﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣].

فلَمْ تكُنِ القضيَةُ مجرَّدَ صعودٍ إلى جبلِ؛ بلْ كانَتْ ثقَةً بالسبَبِ المادِّي معَ الإعراضِ عن أَمْرِ الله؛ فكانَ الجبَلُ عاجِزًا عنَ النَّجاةِ حينَ جاءَ أَمْرُ اللهِ، وكانَ التَّسليمُ للوحْي هو سفينَةَ النَّجاةِ.

* فالميزانُ الحقُّ: أَن نُعمِلَ عقولَنا في فهمِ الوحْي، لا في معارضتِهِ؛ وأَن نأْخُذَ بالأَسبابِ المشروعَةِ، لا أَن نتعلَّقَ بها ونَنْسَى مسبِّبَ الأَسبابِ.

- فمَن استضاءَ عقلُهُ بنورِ الوحي اهتدَى، ومَن استغنَى بعقلِهِ عن الوحي ضلَّ؛ فالعقْلُ السَّليمُ إذا انقادَ للنَّقْلِ الصَّحيحِ أَورثَ صاحبَهُ بصيرَةً وثباتًا وسدادًا.

- أَمَّا إذا جُعِلَ حاكمًا على الوحي لا خادِمًا لفهمِهِ؛ فتَحَ على صاحبِهِ أَبوابَ الحيرَةِ والاضطرابِ، وسلكَ بهِ طريقَ أَهلِ الأَهواءِ والبِدَعِ؛ حتَّى يظنَّ أَنَّ النَّجاةَ في مجرَّدِ تدبيرِهِ، وهيَ في التَّسليمِ لأَمْرِ ربِّهِ جلَّ في عُلاهُ.

فاللَّهُمَّ! ارزقْنا عقولًا خاضعَةً لوحيِكَ، وقلوبًا مسلِّمَةً لأَمرِكَ، وثبِّتنا على الحقِّ حتَّى نلقاكَ؛ يا كريم!

Previous
Previous

أَخي المسلمَ الصَّادِقَ!

Next
Next

أَخي طالبَ العلمِ اللَّبيب!